مايكروسوفت .. لماذا لا نقول لها شكراً  

 

مجدي صلاح أبوسالم

يونيو 2001م 

 

حوالي 200 مليون مستخدم في العالم يستخدمون حزمة برامج أوفيس Office التي تنتجها شركة مايكروسوفت العالمية وأنا واحد منهم .. وحين يتذكر المرء كيف كانت كتابة رسالة مسألة مملة جدا قبل إنتاج نظام التشغيل مايكروسوفت ويندوز وبرنامج معالجة الكلمات  "وورد" .. فقد كان كل مصمم برامج لنظام التشغيل دوس  DOS يتبع في تصميم برنامجه أسلوباً مختلفاً عن الآخر من ناحية واجهة الاستخدام ولوحة المفاتيح و الوظائف .. وكانت معظم البرامج المعالجة للكلمات موجهة للغة الإنجليزية وتحتاج إلى برامج خاصة –صممتها شركات عربية محدودة الإمكانات-تقوم بتشغيلها أولاً حتى تتمكن من الكتابة باللغة العربية.

 

في ذاك الوقت –وحتى الآن- كانت الشركات العالمية الكبرى تنظر للعالم العربي كمنطقة لا تستحق الجهد أو المال لعمل نسخة عربية من برامجها لهم. ما عدا الشركة العالمية الأولى "مايكروسوفت" التي ضخت عشرات المليارات من الدولارات لتعريب نظام التشغيل ويندوز ثم تعريب مجموعة برامج أوفيس التي تتكون من عدة برامج أشهرها :وورد، وإكسل وآوت لووك ، والتي يكاد لا يخلو منزل أو مكتب منها في عالمنا العربي الآن.

 

الأمر المثير للدهشة أن عالمنا العربي قد كافأ هذه الشركة بحرمانها من أي دخل يذكر من مبيعات برامجها في المنطقة بسبب انتشار القرصنة ونسخ البرامج .. فهل كانت مايكروسوفت مخطئة في استراتيجيتها لدعم اللغة العربية أم أن أسعار برامجها كانت المبرر للقرصنة أم نقص الوعي العام بحماية حقوق الملكية الفكرية ..؟ .

 

واستكمالا لمسيرة دعمها للعالم العربي ألزمت مايكروسوفت نفسها بإصدار نسخة عربية من أحدث منتجاتها أوفيس اكس بي Office XP في الوقت نفسه الذي تصدر فيه النسخة الإنجليزية وهذا يعني اختزال فارق زمني كان يصل أحيانا إلى أكثر من عام تتخلف فيه تقنيات الأسواق العربية عن نظيراتها في العالم. وقد جاء هذا المنتج الأخير الذي يهم الملايين من العرب ليضع مرحلة جديدة من المزايا الثورية التي تعتمد على الإنترنت وتقنيات لغة XML والوظائف الذكية .. تأتي الإصدارة الجديدة  Office XP لتتيح خصائص غير مسبوقة فى تطبيقات أوفيس مثل التعاون والتشارك، حيث يمكن لمن شاء العمل الجماعي على وثيقة واحدة (أو أكثر) وعلى حاسب واحد أو أكثر وعبر الإنترنت، والمحصلة هي وثيقة ساهم أكثر من مستخدم فى بنائها. وقد عملت "مايكروسوفت"  بالتعاون مع أكثر من 10 آلاف من مختبريها Beta Testers  المعتمدين طوال لشهور عديدة للانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة قبل الإصدار الفعلي للأسواق، سبقها عمل مضن لعدة سنوات من أجل تطوير Office. ويعتمد الآن أكثر من 20 ألفا من موظفي "مايكروسوفت" كلية على Office XP في إدارة أعمالهم، ويستهدف Office XP أكثر من 200 مليون مستخدم حول العالم من المعتمدين في ميكنة أعمالهم المكتبية على إصدارات سابقة من Office.

 

ثم أخيراً بدأت مايكروسوفت تضع أولى خطواتها التقنية لحماية استثماراتها .. اتبعت نظاماً معروفاً لدى الشركات الأخرى بأن تسمح للبرامج الأصلية أن تعمل لمدة شهر ثم لا بد من تسجيلها لدى الشركة عبر الإنترنت أو عبر الاتصال بمكاتبها. إلى هنا والأمر منطقي .. ولكن غير المنطقي أن يهاجم بعض الصحفيين –أثناء مؤتمر التدشين يوم 28 مايو الماضي بالرياض- إجراءات الحماية ضد القرصنة ..!! فكل الشركات لا بد أن تحصل على عائد مجز من استثماراتها وإلاّ فسوف تتوقف أو توقف المنتج الخاسر.. وقد كان رد المهندس/ محمد الخطيب مدير عام مايكروسوفت العربية مقنعاً حين أشار إلى الفتوى السعودية "بتحريم القرصنة واعتبارها "سرقة"  لايمكن غض النظر عنها حتى  ولو كانت الشركة المسروقة لايمتلكها مسلم .. فالسرقة هي السرقة" .. وأحب الإشارة هنا إلى أن عددا كبيراً من كبار العاملين في هذه الشركة هم مسلمون مقيمون في الولايات المتحدة أو في مكاتب الشركة في البلدان العربية المختلفة.

 

كما أن "بيل جيتس" مؤسس مايكروسوفت -الذي حرمته الظروف في مطلع حياته من إكمال تعليمه الجامعي والذي أصبح مثلاً أعلى لشباب العالم ونموذجاً للمثابرة والكفاح- لا يزال يدعم فقراء العالم ويشجع شباب البلدان الغنية –كما هو الحال في السعودية- على الانتقال إلى عالم الاقتصاد الرقمي ومسايرة ركب التطور وذلك من خلال منح تخفيضات على البرامج للطلبة (مشروع وطني) وصلت إلى 90 % من السعر الأصلي.

 

لقد آن الأوان لكي نقول لمايكروسوفت "شكراً لك، على دعمك للغة العربية وأبنائنا الطلبة" على أن يكون الشكر عملياً بالامتناع عن شراء البرامج المنسوخة المقرصنة وأن نبلغ الجهات المعنية عند اكتشاف مثل هذه الحالات وعلى رأسها وزارة الإعلام .. ومع تزايد الوعي سيساعد ذلك على تطوير صناعة البرمجيات العربية التي تعتبر الميدان الأساسي الذي يمكن للعرب أن يساهموا فيه لو أصبحت ثقافة الحماية الفكرية أكثر تجذراً في حياتنا اليومية.