تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة
المؤتمرات والندوات والمعارض التي تدور حول التجارة الإلكترونية
.. وهذا أمر يدعو إلى التفاؤل .. فالمنطقة عموما
والمملكة خصوصاً قد وضعت المتغيرات العالمية -المتجهة بقوة وثبات نحو الاقتصاد
الرقمي
Digital Economy - في أعلى درجات
الأهمية؛ على الرغم ما أصاب بورصة "ناسداك"
من هبوط حاد في أسهم شركات "الدوت كوم" .. فالمحللون يرون أن هذا الهبوط ما هو إلاّ تصحيح
لتقديرات غير واقعية لشركات التجارة الإلكترونية التي ظهرت كالفقاعات وتم تقييمها
بمئات الملايين في عجالة ارتدت سلباً على أصحابها ..
وعلى الرغم من صحة هذا التحليل إلاّ أن هناك سحابة من الشك تخيم على أجواء هذا
الاقتصاد الرقمي .. فشركات عملاقة في صناعات الحواسيب والمعالجات والاتصالات ذات جذور عميقة في الأسواق
اضطرت مؤخراً إلى تسريح بضعة آلاف من موظفيها
لتقليل
خسائرها..
هل تعلمنا هذه الأمور شيئاً ؟ .. نعم .. أعتقد أننا ينبغي أن نكون حذرين في الخطوة القادمة نحو
الاقتصاد الرقمي .. فهو اقتصاد منبثق من مجتمعات تشبعت
بالاقتصاد القديم المعتمد على الزراعة والصناعة وتجاوزته إلى بناء مجتمع
المعلوماتية الذي تشكل فيه المعلومات والخدمات قدراً كبيرا من الدخل القومي .. بينما نحن لم نصل بعد إلى مرحلة تصنيع أدواتنا
ومعداتنا الصناعية والزراعية، وليس من المتوقع أن نصل إلى ذروة المجتمع الصناعي
الذي يعتمد على الإنتاج الكبير
Mass Production والذي يتبارى فيه اللاعبون الكبار بإنفاق المليارات على الأبحاث
والتطوير معتمدين على قواعد بيانات هائلة عن اهتمامات واحتياجات وأذواق المستهلكين
.. في الوقت الذي تعاني ميزانيات الأبحاث والتطوير في عالمنا العربي من هزال مميت
وتعاني شركات التسويق العربية من انعدام وجود المعلومات التي يمكن على أساسها بناء
استراتيجية تسويقية ناجحة .. فما زلنا نرى أن إعطاء
معلومات عن عاداتنا الشرائية واهتماماتنا كمستهلكين أمر غير مقبول حتى ولو كان
طالب المعلومة سيدة والمستفسر منها سيدة أيضاً .. وبهذا
يتخبط المسوقون في ظلام العشوائية مع فقدان مؤشرات صاحبة معظم قرارات الشراء في
البيت وهي المرأة .. كما أن غياب الشفافية وعدم وجود
أرقام حقيقية عن حجم المبيعات من منتج معين أو أرباح أو خسائر الشركات والمؤسسات
يحتم على كل قادم جديد إلى السوق أن يبدأ من الصفر وربما يصل إلى النهاية نفسها
التي وصل إليها غيره وهي الانسحاب من السوق والانضمام إلى مقاعد
الخاسرين .. وبهذا يخسر الاقتصاد الوطني مشاريعه مرات ومرات دون أن نتعلم
من أخطاء الآخرين .. لماذا ؟ .. لأننا لا نمتلك قاعدة
معرفية خبيرة
Knowledge Base على المستوى
الوطني والعربي تدفع بالاقتصاد إلى الأمـام .. إلى حيث انتهى
الآخرون ..
من هنا فإن القفز إلى مرحلة التجارة الإلكترونية
e-Commerce أو ما بعدها
-الأعمال الإلكترونية
e-Business- سيكون أشبه بمن
يريد القفز إلى قمة ناطحة سحاب دون إمكانات للحاق بإنسان استخدم الدرج حتى وصل إلى
القمة. هذا لا يعني أنني ضد التجارة الإلكترونية .. لكنني أقول
: إن هناك العديد من الإجراءات الضرورية التي يجب أن تسبق هذه القفزة .. فأهل التجارة
الإلكترونية مروا عبر طوابق الاقتصاد القديم وطوروا وأجادوا وتبنوا معايير إدارة
الجودة
Quality Management وتنبهوا مبكراً
جداً إلى أهمية عنصر الوقت وندرة الموارد الاقتصادية وأهمية التدوير
Re-Cycling، واحترموا المعلومات أخذاً وعطاءً فلم يبخلوا على أبحاث التسويق
بما لديهم من آراء وميول استهلاكية لعلمهم بأن هذا سيترجم في النهاية في شكل
منتجات أفضل تلبي حاجاتهم ..
إذا كنا متعجلين الوصول إلى قمة الأعمال
الإلكترونية فلنستخدم المصعد الكهربائي بدلاً من الدرج، لكن لابد من المرور على
طوابق الاقتصاد القديم واجتيازها بسرعة لتكون خطوتنا القادمة على أرض صلبة.