لماذا تهدم
مايكروسوفت ما بناه "الخطيب" ..؟!!
مجدي صلاح أبوسالم
تلقت
الأوساط المعلوماتية في السعودية والعالم العربي صدمة حين فوجئت باستقالة اثنين من
خيرة رجال المعلوماتية هما محمد الخطيب و بلال سنونو من مايكروسوفت؛ مما أحدث موجة
من الغضب لدى معظم المهتمين والعاملين
في هذا المجال الذين التفوا حول مايكروسوفت حبا في هذين الخبيرين. فقد عملا
لمصلحة مايكروسوفت بالقدر نفسه الذي رعيا فيه مصلحة عملائهما من الشركات
والحكومات. فبرغم انتقال الخطيب إلى دبي لم تنقطع زياراته الدورية والمتكررة إلى
المملكة التي وطدت بشكل غير مسبوق العلاقة بين مايكروسوفت ومتخذي القرار على كافة
الأصعدة بل والجمهور العادي الذي رأى محمد الخطيب يقدم المنح الدراسية والدعم
المادي والمعنوي للموهوبين في العالم العربي .. لا أظن أنني شاهدت من قبل نموذجا
بهذا الحماس والوعي والإخلاص، ولهذا كانت الاستقالة صدمة حقيقية . فما الذي دفعه
للاستقالة بعدما استقال بلال سنونو..؟ لا أحد يعلم وهما يرفضان التعليق !! .
فمنذ
تولى الخطيب مهام عمله كمدير عام السعودية لاحظ أن المنطقة العربية مبعثرة ولا
تمثل ثقلاً كبيرا داخل مايكروسوفت العالمية .. لهذا تقدم بخطة عمل لقيادات الشركة لإعادة تنظيم المنطقة في
شكل كتلتين من مجموعة بلدان عربية هما شركة مايكروسوفت الخليج وشركة مايكروسوفت
شرق المتوسط مما يتيح لهما
طرح القضايا التي تحتاجها المنطقة من استثمار وتعريب
فضلا عن خدمة العملاء و شركاء العمل بطريقة أفضل لأن معظم شركاء العمل يشتغلون في جميع دول الخليج وليس
في دولة واحدة .. ويستدعي الأمر أن يكون بمقدور خبراء مايكروسوفت في دول الخليج أن
يكونوا فريقاً واحدا يمكن تحريكه بين الدول عند الحاجة.
واستجابة لهذه الخطة أعلن
السيد إيمري بيركن نائب رئيس مايكروسوفت لأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في نوفمبر
2001م عن إنشاء الشركتين وعين المهندس محمد بن طالب الخطيب منصب المدير العام
الجديد لمايكروسوفت الخليج. وقد وصف السيد بيركن هذه الخطوة
بأنها تغييرات
هيكلية نتيجة للنجاح الكبير الذي أحرزته الشركة في المنطقة. وقال:"إننا
أولينا هذا الجانب اهتماماً خاصاً معتبرا أن هذه التغييرات هي خطوة تهدف إلى توحيد
عمليات الشركة بما يتناسب والبنية الاقتصادية والديموغرافية في المنطقة بقصد زيادة
أدائها ولتلبية متطلبات عملائها ومن أجل تقديم أفضل خدمات الدعم الفني والنمو
التقني في مجال تكنولوجيا المعلومات".
ودعما للنجاح الكبير الذي أحرزه الخطيب بعد تنفيذه لخطته أعلنت مايكروسوفت عن إنشاء مايكروسوفت الشرق الأوسط في مايو 2002م وعينت الخطيب مديرا إقليميا للمنطقة كلها.
والخطيب
كان ايقونة نجاح لمايكروسوفت منذ عمله معها قبل عشر سنوات ونصف، فهو
يجمع بين الخبرة التقنية والانتماء العربي والرؤية المستقبلية التي تجعله لاعباً
مؤثراً لتحقيق نقلة معلوماتية كبيرة للمنطقة العربية.. فقبل التحاقه بمايكروسوفت
عمل مديراً للأبحاث والتطوير في شركة كورتيس للبرمجيات
Curtis ثم مستشاراً فنياً لشركة
First Data .. منذ عام 1993م بدأ العمل في المركز الرئيسي لمايكروسوفت
العالمية في ريدموند ثم احتل عدة مناصب مهمة كان آخرها المدير العام المسؤول عن
منطقة خليج المكسيك بما فيها تكساس
الجنوبية و لويزيانا بالولايات المتحدة الأمريكية حتى عام 2000م.
وللنجاحات التي حققها
هناك انتقل إلى الملكة العربية السعودية كمدير عام لشركة مايكروسوفت العربية وله
من الخبرة الإدارية بالشركة ما جعله يترك بصمة واضحة على تطوير صناعة تكنولوجيا
المعلومات في منطقة الخليج وكان من أشد المتحمسين لمشروع "وطني" وغيرها
من المبادرات الوطنية، وكان متفائلاً بأن الرؤية المستقبلية لشركة مايكروسوفت
العالمية الخاصة بتقنية المعلومات ستساعد الاقتصاد المحلي لمختلف البلدان الخليجية
للاستفادة من الثورة الرقمية التي يشهدها العالم حالياً .
أما المهندس بلال سنونو
فهو
أكثر العاملين في مايكروسوفت فهما للسوق السعودية .. فهو عاش كل حياته العلمية والعملية
في السعودية. ويكاد لا يوجد شخص أو شركة تعمل في تقنية المعلومات في المملكة ولا
يعرف بلال سنونو تاريخها .. إنه موسوعة حية لسوق المعلوماتية في المملكة ..
تخرج
سنة 1987م في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بعد حصوله على شهادتي بكالوريوس؛
بكالوريوس علوم الكمبيوتر وبكالوريوس هندسة كمبيوتر .. وعندما افتتحت مايكروسوفت مكتبها في المملكة في يوليو 1995م والذي
بدأ بشخصين كان هو أحدهما. وتدرج فيها حتى وصل أواخر عام 2001م إلى منصب مديرعام
مايكروسوفت العربية بالمملكة.
وتظل
أسئلة كثيرة بدون إجابة: كيف نصدق الآن ما يقوله السيد إيمري بيركن من أن هدم ما
بناه الخطيب -والذي امتدحه السيد بيركن نفسه في أواخر 2001م- هو لصالح سوق
المعلوماتية في العالم العربي والسعودية ؟ .. وهل التعامل مع الدول العربية فرادى
أفضل أم التعامل معها ككتلة دولية تعبر عن مجموعة دول متشابهة في احتياجاتها
التقنية والثقافية ؟ .. وهل إدارة المنطقة بواسطة مدير غير عربي أفضل لها أم
إدارتها بواسطة خبير يجمع بين الثقافتين الغربية والعربية ؟ .. وهل يعقل أن إدارة المنطقة العربية
عن طريق تركيا هو في صالح العرب ؟! .. أرجو أن تتحلى مايكروسوفت بالشجاعة اللازمة
لإعادة النظر في هذا القرار ؟
من جهة أخرى فإنني أهيب بمتخذي القرار في العالم العربي وكبار رجال الأعمال المعلوماتيين أن ينتهزوا هذه الفرصة لاستقطاب الخطيب وسنونو في مشروع عربي عملاق يستفيد من خبراتهما.. فالرجلان لن يعدمان العروض المغرية ممن يقدرانهما.. وإذا كنا قد تعودنا الوقوف موقف المتفرج أمام نزيف هجرة العقول إلى أوروبا والولايات المتحدة فهاهي الفرصة أمامنا لاسترداد بعض منها فنستفيد برجل بحجم وعقلية الخطيب في التخطيط الاستراتيجي للمعلوماتية وليواصل ما بدأه من تدعيم الاقتصاد الرقمي الجديد في عالم لم نعد نحلم بموطيء قدم فيه إلا بالمعلوماتية بعد أن خسرنا السبق في الاقتصاد القديم ..؟!.