القمة العالمية لمجتمع المعلومات في جنيف

الجنوبيون يتحدون .. والشماليون يتهربون !!

 

مجدي صلاح أبوسالم

 

تعودت منذ زمن بعيد ألا أتوقع خيرا من أي تجمع يطلق عليه "قمة كذا" .. لكن خاب ظني هذه المرة .. فعلى  مدى ثلاثة ايام اجتمع في جنيف 11,047 شخصاً يمثلون 176 دولة  و100 منظمة دولية و481  منظمة غير حكومية و98 شركة خاصة و631 وسيلة إعلامية فيما اعتذر قادة دول الشمال الكبرى الواحد تلو الآخر عن الحضور بعد أن أشارت التوقعات  إلى إصرار قادة الجنوب على التمسك بمطالبهم بينما حضر 40 رئيس دولة وحكومة فقط من أصل 60 كانوا قد أعلنوا مشاركتهم . على أية حال  هؤلاء هم الشهود على مولد المجتمع المعلوماتي الذي سيميز الألفية الثالثة .. وهؤلاء هم أملنا في  تضييق "الهوة الرقمية" التي تفصل بين الشمال والجنوب.

 

شهدت هذه القمة مطالبة صريحة لأول مرة  بأمرين : الأول: إنهاء السيطرة الأمريكية على إدارة شؤون الإنترنت  وعملية تسجيل المواقع الإلكترونية - رغم أن الإنترنت اختراع أمريكي صرف- بدلا من المنظمة المعنية بأسماء وعناوين الانترنت "ايكانICANN"، وهي هيئة شبه خاصة أنشأتها الحكومة الأمريكية في كاليفورنيا. وحثت الدول النامية الأمم المتحدة على الاضطلاع بدور أكبر في إدارة و تنظيم الإنترنت بوضعها تحت إشراف هيئة دولية تابعة للأمم المتحدة مثل الاتحاد الدولي للاتصالات ITU وذلك لضمان أمن معلومات الحكومات وسيادتها الوطنية، وهذا ما تدعو إليه كل دول العالم وبخاصة دول العالم الثالث. فقد دعت فرنسا إلى تسليم هذه المهمة للاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة, لكن الولايات المتحدة رفضت هذا الاقتراح حتى الآن.

 

 

‏ والثاني: العقبة المثيرة للجدل وهي كيفية مساعدة الدول الغـنية في زيادة استخدام الإنترنت في الدول الفقيرة. وحثت الدول الأفريقية بزعامة السنغال دول الشمال على إنشاء "صندوق التضامن الرقمي" لتمويل المشاريع التكنولوجية في الدول النامية لمساعدتهم على نشر تقنية الاتصالات والمعلومات على نطاق أوسع.. لكن الدول المتقدمة أبدت ارتيابها من هذه الفكرة وحبذت استخدام أموال المساعدات القائمة بالفعل والتي ترى أنه يساء استخدامها نتيجة الفساد الإداري.  وأحد أفكار التسوية التي تم التوصل إلى ها يتمثل في الاتفاق على وضع اقتراح إنشاء الصندوق في الاعتبار دون وضع التزامات قوية على إنشائه. واكتفت الدول المشاركة بالمصادقة على إنشاء الصندوق بين الدول الراغبة في ذلك, فيما أمهلت الدول الأخرى حتى نهاية 2004 لتحدد موقفها من المساهمة فيه. وأعلنت مدينة جنيف -التي عرضت استضافة الصندوق- عن مساهمة بقيمة 330 ألف يورو, فيما تعهدت كل من مدينة ليون الفرنسية بتقديم 300 ألف يورو, والسنغال بتقديم420 ألف يورو.

 

ورغم أن الأمم المتحدة تزخر بالعديد من المؤتمرات الكلامية إلا أن توقيت وهيكلة هذا المؤتمر تبشر بأن زعماء العالم الثالث قد شعروا بأهمية التعجيل بالثورة الرقمية لتضييق الهوة بين بلدانهم والدول المتقدمة. وقد تم تنظيم القمة من مرحلتين لضمان متابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في المرحلة الأولى (جنيف) قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية (في تونس 16 نوفمبر 2005م). وقد تم تحديد عام 2015م كتاريخ مقترح في مسودة وثيقة خطة العمل لربط جميع القرى بحيث يكون لها نقطة وصول على مستوى المجتمع بحلول عام 2015م، وربط جميع الجامعات بحلول عام 2005، وجميع المدارس الثانوية بحلول عام 2010، وجميع المدارس الابتدائية بحلول عام 2015. ربط جميع المستشفيات بحلول عام 2005، والمراكز الصحية بحلول عام 2010. تغطية 90 بالمائة من سكان العالم تغطية لاسلكية بحلول عام 2010 وتغطية 100 بالمائة منهم بحلول عام 2015. ضمان أن يكون لجميع الوزارات الحكومية المركزية موقعاً على شبكة الإنترنت وعنواناً للبريد الإلكتروني بحلول عام 2005 ولجميع الوزارات الحكومية المحلية بحلول عام 2010. ومن بين الأهداف المقترحة الأخرى، هناك إعداد وتدريب العاملين القائمين على المحتوى بأقل البلدان تقدماً؛ ومراجعة مناهج المدارس الابتدائية والثانوية؛ وابتكار برامج وأجهزة تقنية تمكن من استخدام جميع لغات العالم بما فيها اللغة العربية.

 

وتتضح أهمية هذه القمة من الفكر الذي تبناه قادة الدول أنفسهم فضلا عن عدد ونوعية الجهات المشاركة فهناك منظمات دولية وحكومية وغير حكومية و منظمات تنادي بحرية الوصول إلى  المعلومات ومنظمات  حقوق الأطفال والمسنين ومؤسسات إعلامية وشركات تقنية المعلومات والاتصالات‏. وقد عكس حجم وفود الدول المشاركة اهتماما خاصا بهذه القمة.‏ ماليزيا علي رأس قائمة الدول المهتمة‏,‏ حيث أرسلت وفدا مكونا من ‏137‏ شخصا‏,‏ تلتها رومانيا التي أرسلت ‏116‏ شخصا‏,‏ ثم جاءت فرنسا في المركز الثالث حيث بلغ وفدها ‏108‏ أشخاص‏.‏ ويصل عدد الوفد الأمريكي إلى ‏66‏ شخصا‏,‏ بينما تشارك بريطانيا بوفد  عدده ‏34‏ شخصا‏.
أما بالنسبة للوفود العربية‏,‏ فجاءت مصر في المقدمة بوفد  عدده ‏41‏ شخصا‏,‏ تلتها الأردن ‏30‏ شخصا‏,‏ ثم السعودية ‏28‏ شخصا‏,‏ أما إسرائيل فشاركت بوفد عدده ‏25‏ شخصا وجاءت ليبيا في نهاية القائمة حيث أرسلت ثلاثة أشخاص فقط‏.‏

 

وقد كان للمملكة مشاركة فاعلة قبل وأثناء هذه القمة. وقد حفلت  كلمة وفد المملكة  برئاسة سمو وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل بوقفات شجاعة التي شدد فيها على ضرورة الحفاظ على الأمن الوطني المعلوماتي واحترام الهوية الوطنية وإيجاد آليات لتفادي سلبيات الانحلال الأخلاقي والإرهاب والإجرام «أهمية التوفيق بين وثيقتي "إعلان المباديء" و"خطة العمل" والتشريعات الوطنية لكل دولة، واحترام الهوية والتنوع الثقافي ومراعاة التقاليد والأديان، وأكد أن هناك حاجة ماسة لإسناد مهمة إدارة الإنترنت إلى جهة تنظيمية تخضع لأنظمة القضاء الدولية لضمان تحقيق العدالة والشفافية في التطبيق والإجراء.

 

الخلاصة أن القادة انتبهوا وأعلنوا مطالب بلادهم دون حرج، ولكن ماذا لو لم تستجب دول الشمال لهذه المطالب ؟ .. هذا هو السؤال المؤجل حتى عام 2005م. ولكنني أتمنى منذ الآن أن يدرك الجنوبيون أن الإجابة التي تأجلت قد تأتي مخيبة للآمال .. ولهذا فالحل يكمن في العمل منذ الآن على إنشاء "إنترنت بديلة" عربية أفريقية آسيوية ... إلخ ليكون تعاون الجنوب- الجنوب بالتكاتف مع دول مثل الهند والصين وتايوان وكوريا ومصر. هذه هي الإجابة التي سترونها في نهاية الجزء الثاني من مؤتمر القمة في تونس 2005م.